ولما نزل صلاح الدين على القدس كان هو وأخوه الموفق في خيمة، فجاء العادل إلى زيارته، وهو في الصلاة فما قطعها، ولا التفت، ولا ترك ورده، وكان يصعد المنبر وعليه ثوب خام مهدول الجيب، وفي يده عصا، فما قطعها، ولا التفت، والمنبر يومئذ ثلاث مراقٍ، وكان يحضر الغزوات مع صلاح الدين.
قال أبو المظفر: وكراماته كثيرة؛ فمنها: أني صليتُ يوم جمعة بجامع الجبل في سنة ست وستمائة، والشيخ عبد الله اليونيني إلى جانبي، فلما كان في آخر الخطبة والشيخ أبو عمر يخطب، نهض الشيخ عبد الله مسرعًا، وصعد إلى مغارة توبة، وكان نازلًا بها، فظننت أنه احتاج إلى وضوء أو آلمه شيء، فصليتُ وطلعت وراءه، وقلت له: خير ما الذي أصابك؟، فقال: هذا أبو عمر ما تحل خلفه صلاة!، يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذي قال؟ قال: قال: «الملك العادل» وهو ظالم! فما يصدق!!!. وكان أبو عمر يقول:«اللهم وأصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب». فقلت: إذا كانت الصلاة خلف أبي عمر لا تصح، فيا ليت شعري خلف من تصح؟. وخطر لي قول عبد الرحمن بن عوف لما رأى عمر بن الخطاب ﵁ يمشي في أزقة المدينة فتبعه، فأتى بيت عجوز، فدخله، قال: فدخلت لأبصر ما يصنع؟. فتواريت، وإذا به قد خرج من عندها، فدخلت بعده وقلت للعجوز: ما كان هذا يصنع عندك؟ فقالت: يحمل إليَّ ما آكل ويخرج الأذى عني!!!.
قال عبد الرحمن: فقلت في نفسي: ويحك يا عبد الرحمن! أعثرات عمر تتبع؟. قال أبو المظفر: وبينا نحن في الحديث، إذ دخل الشيخ وسلّم، وحل مئزره وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله الصلاة، ثم قال ابتداء:«قد روي في الحديث: أن النبي ﷺ قال: ولدت في زمن الملك العادل كسرى». فنظر إليَّ الشيخ عبد الله وتبسم، ومد يده فأكل، وقام الشيخ أبو عمر فنزل، فقال لي الشيخ عبد الله: ما ذا إلا رجل صالح.
قال أبو المظفر: وأصابني قولنج، عانيت منه شدة، فدخل علي أبو عمر وبيده خروب شامي مدقوق، فقال: استف هذا. وكان عندي جماعة فقالوا: هذا يزيد القولنج، ويضره. فما التفت إلى قولهم، وأخذته من يده فأكلته، فبرأت في الحال.
قال: وجاءه رجل مغربي فقرأ عليه القرآن، ثم غاب عنه مدة، وعاد، فلازمه، فسئل عن ذلك؟ فقال: دخلت ديار بكر، فأقمت عند شيخ له زاوية وتلاميذ، فبينا هو ذات يوم جالس بكى بكاء شديدًا، وأغمي عليه، ثم أفاق، وقال: مات القطب الساعة!، وقد أقيم أبو عمر شيخ الصالحية مقامه!؟.
قال: فقلت له: ذاك شيخي. قال: فأيش قعودك هنا؟. قم فاذهب إليه، وسلّم