صائم، فلما جاء وقت الإفطار، قال لجاريته: يا دراج! أجد عطشًا. فسقته ماء لينوفر، فبات تلك الليلة، وأصبح وجلس على حجر، موضع قُبِرَ، مستقبل القبلة، فمات وهو جالس، ولم نعلم بموته، حتى حركوه، فوجدوه ميتًا، فجاء المؤذِّنُ وغسله، رحمه الله تعالى.
قال الفقيه: كنت عند الشيخ يومًا؛ فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟. قال: لا. فذهب أحدهما، وجلس الآخر، فقال الشيخ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، ثم قال له: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أيامًا، فقال له الشيخ: تحب أن أريك قبرك؟. قال: نعم. فأتى به المقبرة، فقال: هذا قبرك!. فأقام بعد ذلك اثني عشر يومًا، أو أربعة عشر يومًا، ثم مات، فدفن في ذلك المكان!. وكان له زوجة، ولها، بنت، فطلبت أن يزوجني بها، فتوقفت أمها، وقالت: هذا فقير ما له شيء. فقال: والله إني أرى دارًا قد بنيت له، وفيها ماء جار، وابنتك عنده في الإيوان، وله كفاية على الدوام، فقالت: ترى هذا؟. قال لها: نعم. فزوَّجَتْنِيها، ورأت ذلك، وأقامت معي سنين، وذلك سنة محاصرة الملك العادل سنجار. وكانت امرأة بعد موتها تطلب زواجي وتشفعت بزوجة الشيخ، فلما أكثرتْ عليّ، شكوتها إلى الشيخ، فقال: طول روحك يومين، ثلاثة، ما تعود تراها. قال: فقدم ابن عمها من مصر أمير كبير بعد أيام، فتزوج بها، وما عدتُ رأيتها.
قال ابن العديم: توفي في عشر ذي الحجة، سنة سبع عشرة وستمائة، وهو صائم، وقد جاوز الثمانين. وكان رحمه شيخًا طوالًا، مهابًا، كأنه نار، وكان يقوم نصف الليل إلى الفقراء، فمن رآه نائمًا ضربه، وكان له عصاة اسمها «العافية». وكان شجاعًا في الله، وبالله، كثير الأذكار والحضور، يغار ممن يذكر اسم «الجبار» بغير استحضار، وله هيبة على المشايخ والفقراء، لا يستطيع الإنسان أن يطيل النظر إليه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان من حين اشتد يخرج ويتطرح في شعراء يونين، فإذا رآه السفارة، حملوه إلى أمه، وكانت صالحة. فلما انتشا، طلب لبنان، وتعبد فيه.
وقال الشيخ شمس الدين محمد بن العماد نزيل مصر: ما سمي أحد بأسد الشام إلا الشيخ عبد الله اليونيني. وقال الشيخ علي القصار: كنت إذا رأيت الشيخ عبد الله أهابه كأنه أسد، فإذا دنوت منه، وددت أني أشق قلبي وأجعله فيه. رحمه الله تعالى.