وفي هذه السنة (١): مرض المأمون لثلاث عشرة خَلَتْ من جمادى الآخرة.
وكان (٢) سببه ما حكاه سعيد بن العلاف قال: دعاني المأمون وهو وأخوه المعتصم جالسين على شاطئ نهر البدندون. وقد وضعا أرجلهما في الماء، فقال: أي شيء يؤكل لنشرب عليه من هذا الماء الذي هو نهاية في الصفاء والعذوبة؟ قال: أمير المؤمنين أعلم. فقال: الرطب، وبينما هما في الحديث إذ وصَلَتْ بغال البريد، عليها الحقائب، وفيها الألطاف، فقال لخادم له: انظر إن كان في هذه الألطاف رطب. فنظر فإذا رطب أزاد (٣) فشكر الله تعالى وعجبنا من ذلك وأكل وأكلنا وشربنا من ذلك الماء، فما قام أحد منا إلا وهو محموم. ولم يزل المعتصم مريضًا حتى دخل العراق، فلما (مرض المأمون)(٤) مرض الموت أوصى إلى أخيه أبي إسحاق بحضرة ابنه العباس بتقوى الله وحسن سياسة الرعية في كلام حسن طويل. ثم قال للمعتصم: عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله لتقومن بهذا الأمر. ولتؤثرن طاعة الله على معصيته إذا أنا نقلتها من غيرك إليك. قال: اللهم نعم، قال: هؤلاء بنو عمك ولد أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه، أَحْسِنْ صحبتهم، وتجاوز عن مسيئهم، ولا تغفلن عن صلاتهم في كل سنة. وتوفي المأمون لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، وحَمَلَه (٥) ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس فدفناه بدار جلعان خادم الرشيد. وصلّى عليه المعتصم. وكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا سوى أيام دعي له بالخلافة وأخوه الأمين محصور ببغداد. وكان مولده النصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وكانت كنيته أبا العباس. وكان ربعةً أبيض جميلًا طويل اللحية دقيقها. قد وَخَطَهُ الشيب، بخده خال أسود.
بعض سيرته (٦): لما كان بدمشق قل المال الذي بصحبته حتى ضاق وشكا ذلك إلى المعتصم فقال له: يا أمير المؤمنين. كأنك بالمال قد وافاك بعد جمعة. وحمل إليه المعتصم ثلاثين ألف ألف دينار من خراج ما يتولاه له، فلما ورد ذلك قال المأمون ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ننظر هذا المال. فخرجا ونظرا إليه. وقد هيئ بأحسن هيأة.
(١) المختصر ٢/ ٣١ وانظر الخبر في تاريخ الطبري ٨/ ٦٤٦ وكامل ابن الاثير ٥/ ٢٢٦. (٢) وبينهما شطب عليه في كلا النسختين. (٣) في المختصر: فمضى ومعه سلتان فيهما رطب من أطيب ما يكون. (٤) زيادة يقتضيها السياق. (٥) من هنا وإلى نهاية الخبر، شطب عليه في كلا النسختين. (٦) المختصر ٢/ ٣٢ وفيه: ذكر بعض سيرته وأخباره.