وفيها: حصلت (١) الوحشة بين مؤنس، والقاهر، وكان مؤنس قد أقام بليق (٢) حاجبًا وجَعَلَ أمر دار الخلافة إليه، فضيّق على القاهر، ومنع دخول امرأة إلى دار الخلافة حتى يعرف من هي، فإنّ القاهر استمال جماعة في الباطن بالقبض على مؤنس وبليق واتفق رئيس الحجرية (٣) واسمه طريف البكري مع القاهر على ذلك.
وفي (٤) أول شعبان من هذه السنة: قبض القاهر على مؤنس وبليق وابنه؛ لأنهما اتفقا على خلع القاهر وإقامة أحمد بن المكتفي، واتفق معهم الوزير بن مقلة على ذلك، فاستمال القاهر طريف البكري، واتفق معه ومع الغلمان الساجية (٥) على قبض مؤنس وبليق وأكمنهم في الدهليز والممرات، وحضر ابن بليق بجماعة وقصد الاجتماع بالخليفة، وأظهر أنه يريد الاجتماع به بسبب القرامطة، وإنما أراد أن يقبض على الخليفة، ولم يعلم بما أعتد له القاهر به (٦).
فلما دَخَلَ دار الخلافة قبض عليه، وبلغ أباه بليق، وكان منقطعًا في داره بسبب مرض فركب وحضر دار الخلافة بسبب ذلك فقبض عليه أيضًا، ثم أرسل القاهر يستدعي مؤنسًا، فامتنع عن الحضور، فحلف له أنه آمن، وإنما يريد يعرفه اتفاق بليق وابنه على خلعه، فإذا كان ذلك كذبًا أفرج عنهما، وما زال يردّد الرسل إلى مؤنس حتى حضر فقبض عليه أيضًا، وعزل أبا علي بن مقلة واستوزر أبا جعفر محمد بن القاسم (٧)، ثم جد في طلب أبي أحمد بن المكتفي، فظفر به، فبني عليه حائطًا، فمات. ولما أمسك القاهر المذكورين شغب غالب العسكر، وكانوا أصحاب مؤنس بسبب حبس مؤنس، وطلبوا إطلاقه، فعمد القاهر إلى ابن بليق وذبحه، وجعل رأسه في طست، وكان حبسهم متفرقين، ثم أحضر الرأس في طست إلى أبيه بليق، فبكى، وجعل يرشف
(١) المختصر ٢/ ٧٧ والكامل/ ٦/ ٢٢٤، وانظر تاريخ مختصر الدول ص ٢٧٦. (٢) في الأصل: بليق، وانظر العبارة مفصلة في العيون والحدائق ٢/ ٤/ ١٠. (٣) في المختصر: وهو من أكبر القواد. (٤) المختصر ٢/ ٧٧ والكامل/ ٦/ ٢٢٥ وانظر الشذرات ٢/ ٢٨٧ وتاريخ الخلفاء ص ٣٨٧ وتاريخ مختصر الدول ص ٢٧٦. (٥) الساجية نسبة إلى يوسف بن أبي الساج، تاريخ مختصر الدول (ص ٢٧٧). (٦) كذا في الأصل، وفي المختصر: ولم يعلم ابن بليق بما أعد له القاهر. (٧) محمد بن القاسم بن عبد الله بن سليمان بن وهب، ثم قبض عليه ونكبه، انظر: الفخري ص ٢٠٥ ومروج الذهب ٢/ ٥٥٣.