إسحاق وسببه أنه حصل بينه وبين ملكشاه وحشة، فلما كان اليوم المذكور بعد الإفطار وهم بالقرب من نهاوند وقد انصرف نظام الملك إلى خيمة حرمه، وثب عليه صبي ديلمي في صورة مستعط، وضربه بسكين وقتله بها وأدرك أصحابه ذلك الصبي فقتلوه، وحصل للعسكر بسبب قتله شوشة، فركب السلطان ومسكنها وكان نظام الملك كبيرًا، فإن مولده سنة ثمان وأربعمائة، وكان قتله بتدبير من السلطان ملكشاه ومات ملكشاه بعده بخمسة وثلاثين يومًا على ما سنذكره، وكان نظام الملك من ابناء الدهاقين بطوس، ماتت أمه وهو رضيع، فكان يطوف به والده على المراضع فيرضعنه، ثم انتشأ، وتعلم العربية، وسمع الحديث، اشتغل بالأعمال السلطانية ولم يزل الدهر يعلو به حتى خدم طغرلبك وصار وزيره، ولما صار الملك إلى ألب أرسلان كان نظام الدولة مع ابنه ملكشاه، وقام بأمره حتى صارت السلطنة إلى ملكشاه، فبلغ نظام الملك من المنزلة ما لم يبلغه غيره من الوزراء، وقرّب العلماء وبنى المدارس في سائر الأمصار، وأسقط المكوس، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان قد فعله عميد الملك الكندري كما تقدم ذكره وأوصافه حسنة رحمه الله تعالى.
وكان السلطان ملكشاه ونظام الملك قد سارا عن بغداد في العام الماضي إلى أصفهان فعادا من اصفهان في هذه السنة إلى بغداد، فقتل نظام الملك بالقرب من نهاوند كما ذكرنا، ودخل السلطان بغداد في رابع عشر رمضان هذه السنة، ثم خرج ملكشاه من بعد إلى الصيد وعاد ثالث شوال مريضًا بحمّى محرقة وتوفى ليلة الجمعة نصف شوال، وكان مولدة سنة سبع وأربعين وأربعمائة وكان من أحسن الناس صورة ومعنى، وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام ومن أقاصي بلاد الشام إلى بلاد اليمن وحملت له ملوك الروم الجزية ولم يفته مطلب، وكانت أيامه أيام عدل وسكون وأمن فعمرت البلاد ودرّت الأرزاق وعمر الجامع ببغداد، وعمل المصانع بطريق مكة، وكان غاديًا بالصيد، وكان يتصدق بعدد كل وحش يصيده دينارا، وصاد مرة عشرة آلاف صيد بعشرة آلاف دينار.
ولما (١) مات ملكشاه أَخْفَتْ زوجته تركان خاتون (٢) موته، وفرقت الأموال في الأمراء، وسارت إلى أصفهان واستحلفت العساكر لولدها محمود وعمره أربع سنين
(١) المختصر ٢/ ٢٠٣ تحت عنوان ذكر ملك محمود بن ملكشاه وحال أخيه بركياروق بن ملكشاه والكامل ٨/ ١٦٥ وانظر: تاريخ الخلفاء ص ٤٢٥ وتاريخ مختصر الدول ص ٣٣٧. (٢) سيذكرها المؤلف في وفيات ٤٨٧ هـ.