ولكن يمضي المؤمن مع قدر الله في طواعية ورضا، رضا العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي ويجب أن يكون، والله ﷿ لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهذه درجة عالية قد لا يستطيعها ولا يصل إليها إلا القليلون من البشر ممن رزقهم الله ﷿ كمال الإيمان، وكمال اليقين.
فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم أن لا يخرجهم الألم للضراء، ولا الفرح بالسراء، عن دائرة التوجه إلى الله وذكره بهذه وبتلك.
ولن يجد أحد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ما كان لا بد أن يكون: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
ومن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه، ويفعل ما أمره الله به، فهو حسبه وكافيه، لأنه الغني القوي العزيز، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخير طلب العبد إلى الوقت المناسب.
فأمر الله لا بد من نفوذه، ولكن له وقت مقدر لا يتعداه، ولا يقصر عنه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق/ ٢ - ٣].
فالله ﷿ له الخلق والأمر وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالخلق قضاؤه وقدره وفعله، والأمر شرعه ودينه، فهو الذي خلق وشرع وأمر، وأحكامه جارية على خلقه قدرًا وشرعًا، ولا خروج لأحد عن حكمه الكوني القدري، وأما حكمه الديني الشرعي، فيطيعه الأبرار، ويعصيه الفجار: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا