الثالثة: كما أن الطهارة مقدمة على الصلاة، والاستعاذة مقدمة على تلاوة القرآن، ونظافة البيت مقدمة على استقبال الضيف، فكذا لا إله لتنظيف القلب من غير الله، وإلا الله، جلاء الأنوار عن حضرة الملك الجبار، فالأول انفصال عما سوى الحق، والثاني اتصال بالحق، ورؤية الحق: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والناس في قول هذه الكلمة (أشهد أن لا اله إلا الله) مراتب وطبقات:
فأدناها: من قال لا إله إلا الله بلسانه، فهذا يحقن دمه، ويحرز ماله، وهذه درجة يشترك فيها المؤمن والمنافق، فمن نطق بهذه الكلمة نال بركتها، فإن طلب بها الدنيا نال بها الأمن والسلامة، وإن قصد بها الآخرة جمع بين الحظين، وأحرز بها السعادة في الدارين.
الطبقة الثانية: هي القول باللسان مع الاعتقاد بالقلب على سبيل التقليد لا العلم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
الطبقة الثالثة: الذين ضموا إلى الاعتقاد بالقلب معرفة الدلائل الإقناعية، لكن لم يبلغوا درجة اليقين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
الطبقة الرابعة: الذين أكدوا تلك العقائد بالدلائل القطعية، إلا أنهم لم يكونوا من أرباب المشاهدات، ولا من أصحاب التجلي، فإن أعلى مقامات العبد بين يدي ربه أن يعبد الله كأنه يراهن، فإن لم يكن يراه فإنه يراه.