ولما كان الإنسان مُبتلى بالشهوات الحيوانية، وبالأوامر الشرعية، وبالمصائب القدرية في هذه الدنيا، اقتضى ذلك؛ أن يجعل الله له دارًا للجزاء، والحساب، والثواب، والعقاب، غيرَ دار العمل، كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
فهذه الحياة الدنيا دار الامتحان والابتلاء، والابتلاء منه الخير والشر، كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
دلائل الإيمان وحقيقته
مقياس الإيمان بالأعمال الباطنة لا بالأعمال الظاهرة؛ فالأعمال الظاهرة يؤديها المؤمن والمنافق، والبر والفاجر، وكلٌ له نيته.
قال النبي ﷺ:«إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى». متفق عليه (١).
أما أعمال القلوب من محبة الله، وتوحيده، وتعظيمه، وتكبيره، والإيمان به، والتوكل عليه، والخوف منه، والرجاء له، وحب الدين وأهله، ورحمة الخلق، ونحو ذلك، فمثل هذه الأمور من علامات الإيمان التي تثمر حقيقة الأعمال الباطنة، وتثمر الثواب العظيم من الرب الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (١)، ومسلم برقم: (١٩٠٧).