والجنس الثاني: هم البهائم الذين خلقهم الله للشهوات، ولم يخلقهم للطاعة الاختيارية؛ بل هم مسخرون لعبادة الله، والخضوع لأمره كغيرهم، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
فكل الحيوانات لم تُخلق للطاعة والعبادة الاختيارية، ولم تركب فيها أهليةُ ذلك، كالجن والإنس، وإنما خُلقت للشهوات، فلا همَ لهذه البهائم إلا تكميل الشهوات، فحياتها من أجل شهواتها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
فحياة جميع الأنعام والبهائم ليس لها معنى إلا التمتع والأكل والشرب، ولذلك تبعث يوم القيامة من أجل القصاص لبعضها من بعض، أو ممن آذاها، ثم يقال لها كوني ترابًا.
والإنسان مخلوقٌ عظيمٌ جعله الله وسطًا بين الملائكة والبهائم، فهو أدنى من الملائكة في الطاعة، لأنه سُلِّطت عليه الشهوات، وهو أعلى من البهائم، لأن الله ﷿ ميزه بالعقل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
فإذا آمن الإنسان، وأطاع ربه، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه صار أعلى من الملائكة، وإن كفر وعصى ربه صار أضل وأقل من الحيوانات: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا