والله سبحانه لم يُبين كدح التجار والصنَّاع والزرَّاع، وإنما بيّن أحسن كدح؛ وهو كدح الأنبياءُ والمرسلين والمؤمنين، وفصّله في القرآن، فيوم القيامة سوف تلاقي كدحك قبل كل شيء: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وأسوأ كدحٍ: هو الكدح الذي فيه إفساد البشرية، لذلك كدح إبليس اكتمل في يوم واحد، لكن كدح الأنبياء فيه إصلاحٌ للبشرية، كم احتاج من الأنبياء؟ مائة و أربعة وعشرون ألف نبي ورسول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وجُهدُ إفساد البشرية قام به واحد، وهو إبليس، لأن كدح الباطل خفيفٌ، وحلوٌ، وأساسه الشهوات، وكدح الحق ثقيلٌ، ومرٌ، ومخالفٌ لشهوات النفس.
فبداية الحق تَحمُّل المكاره، ونهايته الجنة، وبداية الباطل الشهوات، ونهايته النار، وكدح الحق لايتغير أبدًا، جُهدٌ واحد، ومقصدٌ واحد، وأسلوبٌ واحد، فسبب الهداية الجُهد، والدعوة إلى الله، كما أن سبب الرؤية البصر، وسبب السمع الأذن، وسبب الكلام اللسان: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].