ومن عود نفسه التفكر في عظمة جلال الله، وعظمة أسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة قدرته، والنظر في خلقه وملكه، صار ذلك عنده ألذ من كل نعيم؛ لأن ذلك غذاء قلبه وروحه، لا مانع منه ولا مزاحم فيه، وتلك جنة المعرفة الموصلة إلى جنة الآخرة، وهذه الجنة أعظم من جنة الآخرة؛ لأنها متعلقة بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة دينه وشرعه، والتعبد له بموجب ذلك.
والعاقل حقًا من يطلب نعيمًا، لا زحمة فيه، ولذة لا كدر فيها، ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله تعالى، وعجائب مخلوقاته، والإيمان به، ولذة مناجاته، وحمده وشكره، واستغفاره، والتوبة إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وإنما يحصل الشوق بعد الذوق، فمن لم يذق طعم الإيمان وحلاوته وحقيقته لم يعرف، ومن لم يعرف لم يشتق، ومن لم يشتق لم يطلب، ومن لم يطلب لم يدرك، ومن لم يدرك فهو من المحرومين: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ [الزمر: ١٥].