للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال النبي : «لّلَهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَه». متفق عليهُ (١).

وفي الحديث أنه قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» أخرجه مسلم. (٢).

فهذا الفرح العظيم الذي لا يشبهه شيء أحب إليه سبحانه من عدمه ولوازم لابد منها، وما يحصل لتقدير عدمه من الطاعات وإن كان محبوباً له فهذا الفرح أحب إليه بكثير، فله سبحانه من الحكمة في تقدير أسبابه وموجباته حكمة بالغة ونعمة سابغة، هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه.

وأما بالإضافة إلى العبد فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفاً على أسبابٍ لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة والإنابة والخضوع والذل والانكسار ودوام الافتقار إلى الله كان من النعم باعتبار غايته وما يعقبه، وإن كان من الامتحان والابتلاء باعتبار صورته ونفسه.

والرب سبحانه محمودٌ على الأمرين، فإذا اتصل بالذنب الآثار المحمودة للرب سبحانه من التوبة والإنابة فهو عين مصلحة العبد وإن لم يتصل به ذلك فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه وشره وعدم استُعداده لمجاورة ربه بين الأرواح الذكية الطاهرة في الملأ الأعلى.


(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٦٣٠٩) واللفظ له، ومسلم برقم: (٢٧٤٧).
(٢) أخرجه مسلم برقم: (٧/ ٢٧٤٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>