والمقصود الأول إتمام نعمته تعالى على أولياءه ورسله وخاصته، فاستعمال أعدائه فيما تكمن به النعمة على أولياءه غاية الحكمة، وكان في تمكين الكفار والفساق والعصاة من ذلك إيصالاً إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والمولاة فيه والمعادة فيه، وبذل نفوسهم وأموالهم له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].
وتمام العبودية لله لا يحصل إلا بالمحبة الصادقة، والمحبة الصادقة علامتها أن يبذل المُحب ما يملكه من مالِ ورياسة وقوه في مرضاة محبوبه والتقرب إليه، فإن بذل روحه كان هذا أعلى درجات المحبة الصادقة، ومن لوازم ذلك التي لا يحصل إلا بها أن يخلق ذواتًا وأسباباً وأعمالاً وأخلاقاً وطبائع تقتضي معادة من يحبه، ويؤثر مرضاته لها، وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها.
وكل أحدٍ يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة ويحب من يوصل إليه ذلك، ولكن الشأن كل الشأن في محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيئاً عليها مما لا يلائمها.
فعند حصول أسباب ذلك تبين ما يحب الله لذاته ومن يحب وما يحب ممن يحبه لأجل نعمته ومخلوقاته فإن أُعطي منها رضي وإن مُنع سخط، وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١]