فالرب تعالى يبتلي بنعمه ويُنعم بابتلائه، غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يستغني عنهما طرفة عين، والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الطعام والشراب أيهما أفضل، وكالسؤال عن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل.
فالمأمور به شرعًا لا يؤده العبد إلا بصبر وشكر والمُحرم لا يترك إلا بصبر وشكر، وأما المقدور الذي يقدر على العبد من مصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره كما يندرج صبر الشاكر في شكره، والله ﷿ امتحن كل عبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادها في الله، فهو في كل وقت في مجاهدة نفسه حتى تأتي بالشكر المأمور به وتصبر عن الهوى المنهي عنه فلا ينفك العبد عنه غنيًا أو فقيرًا معافى أو مبتلى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والله سبحانه لم يفضل أحدًا بالفقر والغنى كما لم يفضل أحدًا بالعافية والبلاء وإنما فضل بالتقوى، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].