فيهلك كبرياؤه كل كبير، وتهلك عظمته كل عظمة، وعزته كل عزة، وكرمه كل كرم، وقدرته كل قدرة، وقهره كل قهر، فكان لا يقوم له شيء لولا رحمته السابقة باحتجابه عن خلقه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وقال النبي ﷺ:«حِجَابُهُ النُّورُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: النَّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». أخرجه مسلم (١).
وجميع ما في العالم العلوي، والعالم السفلي، من حصول المنافع، والخيرات، والبركات، والمحامد، والمسار، والنعم، فمن آثار رحمة أرحم الراحمين، كما أن جميع ما صرف عن العباد من المصائب، والمكاره، والمضار، والمخاوف، والنقم، والآلام، فمن آثار رحمة الراحمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
فسبحان الله وبحمده لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢].
ومن رحمته ﷻ أن أوجد العالم كله متواشج الأرحام، ومتقارب الأصول، فجعل برحمته المخلوق الأعلى يعطف على الأسفل، وجعل الأسفل يتعلق بالأعلى، وأفقر الخلائق كلها بعضها إلى بعض، فأفقر الأعلى إلى الأسفل، ليؤدي إليه ماله عنده، وأفقر الأسفل إلى الأعلى ليقبل منه ما به وجوده، ثم أفقر الكل إليه إظهارًا لكمال غناه: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].