وقد خلق الرحمن الرحيم مائة رحمة، وأنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض، لتكون سبيلاً إلى التعاطف والرحمة والرأفة، والمودة والحنان والسكن والتربية والنسل بين المخلوقات كلها من الأنس والجن والحيوان وغيرهم.
فعاش في تلك الرحمة العظيمة الواسعة أهل الأرض كلهم، وتناسلوا وتعاطفوا وتم عليهم أمر ربهم: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
ورفع الرحمن الرحيم سبحانه أهل الإيمان والتوحيد درجة في ذلك، فتعاطفوا وتراحموا وتحابوا، وتوادوا، من أجل الرحمن، فتم لهم أمرهم أوله وآخره، وعاجله وآجله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
فإذا أراد الله فناء هذه الدنيا وأهلها، قبض عنهم معنى اسمه الرحمن حتى لا يبقى في الأرض مسلم، وأذن بإقامة القيامة على شرار الخلق فمقتهم وقبض الرحمة التي أنزلها إلى الأرض فيومئذ: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ٢].
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم: (٦٤٦٩)، ومسلم برقم: (٢٧٥٢)، واللفظ له.