وأحب عباد الله إليه وأكرمهم عليه هم أهل هذه المعرفة؛ لأنهم في رياض معرفته حاضرون، وإلى جماله وجلاله ناظرون، وبأوامره الملكية الشرعية يعملون، إن نظروا إلى صفات جلاله هابوه، وإن نظروا إلى صفات جماله أحبوه، وإن نظروا إلى شدة نقمته خافوه، وإن نظروا إلى سعة رحمته رجوه وأنابوا إليه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
والله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فمن سار إلى الله باسمٍ من أسمائه الحسنى وصل إليه، ومن تعلق بصفةٍ من صفاته العلى أخذت بيديه حتى تدخله عليه بكمال الحب والتعظيم والذل له، فحياة القلوب في معرفته ومحبته وتعظيمه، وحياة الجوارح في التقرب إليه بالعبادة بما شرع، وحياة اللسان بدوام ذكره وشكره والثناء عليه والدعوة إليه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن أيقن أن الله ﷿ هو الأول فوض الأمور كلها إليه، وتوكل عليه وحده، ولم يلتفت إلى غيره، ومن أيقن أن الله هو الآخر أيقن أن الأمور كلها أولها وآخرها بدأت منه، وترجع إليه، فلا يلتفت إلى أحدٍ سواه.
وهذان الاسمان الأول والآخر يوجبان للعبد الاضطرار إلى الله، ودوام الافتقار إليه، فهو الأول المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وهو الآخر الذي ينتهي به كل شيء.
ومن أيقن أن الله هو الظاهر قصده وصمد إليه في جميع حوائجه، ومن أيقن أن الله هو الباطن علم قربه منه فاستحيا منه، لكثرة نعمه عليه، وكثرة