الشحمة، وأخرج منها النور الذي يشع فيبصر به الإنسان الألوان، والأحجام، والأجناس والأشخاص، وفتح له الفم، وجعل فيه عينًا عذبة من الريق تحت اللسان ليسهل بها أكل الطعام، فلو جف ريقه، لما قدر أن يبلع شيئًا، يجم ريقه عند الأكل، ويجف إذا فرغ لئلا يتعبه التفل.
وخلق اللسان في الفم يتكلم به ويقلب به الطعام، ولو جعل الله العينين في القدمين ما رأى شيئًا، ولو جعل سبحانه الأنف في يده لتعب، ولو جعل الفم في رجله لشق عليه الأكل، ولو جعل سبحانه أصابع الإنسان ملتصقةٌ كالبعير لما استطاع أن يأخذ ويعطي، وخلق سبحانه الأنف، وجعله مجرى للنفس، وجعل فيه حاسة الشم، وخلق اللسان، وجعل فيه حاسة الذوق، وخلق العينين وجعل فيهما حاسة البصر، وخلق الأذنين، وجعل فيهما حاسة السمع: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وخلق الأصابع، وجعل فيها حاسة اللمس، فسبحان الخلاق العليم الذي خلق القلب في محله، والكبد في محلها، والكلية في محلها، المعدة في محلها، والمخ في محله، وفتح الشرايين ليدور الدم، ومفتح مجال البول والغائط، وفتح منافذ السمع والبصر والأكل والكلام، والكل يقوم بوظيفته بتدبير الجسم، وكل واحدٍ منا دخل رحم أمه نطفة ليس فيه يدٌ ولا رجلٌ ولا رأسٌ ولا عين، ثم صوره الله إنسانًا وخلقه في ظلماتٍ ثلاث: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].