ثم ألهم الله آدم التوبة فتاب، وتاب الله عليه، وبعد أن كملت تربيته وعرف عدوه وعاش في داره، أهبطه الله ﷿ من دار النعيم إلى دار الابتلاء والعمل، ليعود إليها ومن آمن من ذريته على أكمل الوجوه، فكم لله من حكمة من إهباط آدم للأرض تعجز الألسن عن وصفها وتعجز العقول عن إدراكها والإحاطة بها: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤].
ومن تلك الحكم:
أن الله أنزل آدم ﷺ ليكون إيمانه وإيمان ذريته تامًا، وليكون الإيمان قولٌ وعملٌ وجهادٌ وصبرٌ وبذلٌ وترك، وهذا إنما يكون في دار امتحان لا في جنة النعيم.
ومنها: أن الله خلق آدم وذريته ليستعمرهم في الأرض، ويجعلهم خلفاء في الأرض فخلقهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه، فإذا وافوا دار النعيم بعد التعب والكد عرفوا قدر تلك الدار وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الحور والولدان.
ومنها: أن الله ﷿ أراد أن يتخذ من ذرية آدم رسلًا وأنبياء وشهداء يحبهم ويحبونه وينزل عليهم كتبه يؤثرون محابه ومراضيه على شهواته أنفسهم وما يحبونه فأنزلهم إلى دار الابتلاء والامتحان ليُكملوا مراتب العبودية صبرًا وشكرًا يعبدوه بالسراء والضراء بما تكره نفوسهم، وهذا لا يحصل إلا في دار النعيم، وهذا لا يحصل في دار النعيم المطلق الخالية من الابتلاء.