ومنه ما يزيد النعم ومنه ما يحل النقم، ومنه ما يستدفع به البلاء ومنه ما يجلب النعماء، ومنه ما يؤلف القلوب ومنه ما يفرق القلوب، ومن ما يهدي ومنه العالي ومنه السافل، ومنه الحسن ومنه القبيح.
فسبحان من أخرج هذا الكلام المتنوع من هواءٍ ساذجٍ يخرج من الصدر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٨ - ٩].
سبحان من أخرج من هواءٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من الحروف والكلمات والأصوات والأنغام، وأخرج بماءٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من النباتات والأشجار والأزهار والثمار، وأخرج بلسانٍ واحد ما لا يحصيه إلا الله من اللغات واللهجات والحروف والكلمات، فالحلق يمر به هواءٌ واحد، والأرض تسقى بماءٍ واحد، والمواليد من هذه وهذه مختلفة، لا يحصي أنواعها إلا الله الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وما أعظم نعمة الله في الحفظ والنسيان والذي خص به نوع الإنسان، وما أعظم ما فيهما من الحِكَم وما للعبد فيهما من المصالح، فإنه لولا القوة الحافظة التي خص الله بها الإنسان لدخل عليه الخلل في أموره كلها، ولم يعرف ما له وما عليه، ولما أخذ ولا ما أعطى، ولا ما سمع وما رأى، ولا ما قال ولا ما قيل، ولا ذكر من أحسن إليه ولا من أساء إليه، ولا من نفعه فيقرب منه ولا من ضره فينأى عنه، ولا يعرف علمًا ولو درسه مرارًا، ولا