والله ﷿ هيأ الإنسان لقبول الكمال فيما أعطاه الله من الأهلية والاستعداد التي جعلها كامنةً فيه كمون النار في الزناد.
فألهمه ربه ومكنه وعرفه وأرشده وأرسل إليه رسله وأنزل عليه كتبه لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعل، فالنفس قابلةٌ للتقوى وقابلةٌ للفجور لحكمة الابتلاء: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
ثم خص الله ﷾ بالفلاح من زكاها ونماها وعلاها بطاعة الله، فذلك المتقي، ثم حكم بالشقاء على من دساها، فأخفاها وحقرها وصغرها وقمعها بالفجور، فذلك الشقي، فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
والمعصية تذل النفس وتصغرها وتحقرها، فما أصغر النفس مثل معصية الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله، والبدن كالقالب بالنسبة للنفس، وهي تأخذ من بدنها صورةً تتميز بها عن غيرها ويكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها، وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه، ولهذا يقال لها عند مفارقة البدن:«أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ أيتها النفس». أخرجه أحمد وأبو