فالأخذ بالأسباب إسلام، والتوكل على الله إيمان، وترك الأسباب رهبانية، والاعتماد على الأسباب يهودية، وإنكار الأسباب إلحاد.
والله سبحانه شرع الأسباب لحكمٍ عظيمة منها:
أولاً: إن الله سبحانه يريد بكثرة الأسباب تنويع العبودية لله في كل حال من حياة الإنسان، كالأكل، والشرب، والصوم، والصلاة، وغير ذلك من الأسباب، وكالبيع، والشراء، والزراعة، والصناعة، حتى في الذنوب فإذا ضعف الإيمان، ثم وقع الإنسان في المعصية، شرع له الاستغفار والتوبة، وهي من الأسباب: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
و قال رسول الله ﷺ:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لهمْ». أخرجهُ مُسْلِمٌ (١).
ثانيًا: أن الله سبحانه أحوج الخلق كلهم إليه، في خلقهم وأرزاقهم، وشرع لهم أسبابا لرضاه، ليفتقر كل أحد إليه، سواء كان غنيا أو فقيرا، قادرًا أو عاجزًا، ولو كان فينا من يرزق بغير الأسباب، لتعلق الناس به، وعبدوه من دون الله، وصار فتنة للناس، كما فُتن الناس بعيسى بن مريم ﷺ، لمّا جاءهم ببعض الآيات; كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص.
ثالثًا: أن الله ﷿ جعل الأسباب الدنيوية في مقابل الأوامر الشرعية، فابتلى الله الناس بالأسباب، لكي ينظر من يقدم الأسباب الدنيوية على أوامر الله الشرعية، أو يقدم أوامر الله على الأسباب، فطلب الرزق مشروع، ولكن إذا جاء وقت الصلاة، هل نتركه ونصلي؟ وهذا هو محل الابتلاء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ