والعابد حقًا من قام بين يدي ربه في الصلاة بقلبه وقالبه، وظاهره وباطنه.
فالعبد حقًا من فتش عن قلبه الضائع قبل الشروع في الصلاة، فحضور القلب أول منزل من منازل الصلاة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإذا أنزلته انتقلت إلى بادية المعنى، وتفكرت في الأخبار الإلهية، والأوامر الشرعية، فصدقت الأخبار، وامتثلت الأوامر، واجتنبت النواهي: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
فإذا ارتحلت عنها أنخت بباب المناجاة، فكان أول قراء الضيف كشف الحجاب لعين القلب، فترى ربك العظيم مستويًا على عرشه العظيم:
يعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويبسط ويقبض، ويحي ويميت.
فإذا انكشف الحجاب خشع القلب، وذرفت الدموع، وحصل الحياء، وكثر التكبير والحمد، والاستغفار والتسبيح، ثم تناثر على هذا العبد الذي امتلأ قلبه بهذه المعاني، البر من رأسه إلى أخمص قدميه، وغفرت ذنوبه، فسبحان من تكرم على عبده بهذا اللقاء، وهذه الصلاة، وهذه المناجاة، فهذه هي الصلاة التي تصلح أن تكون مهرًا للجنة، بل ثمنًا للمحبة، وسلمًا للقرب من الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].