إنما يكل الله الناس إلى وحيه ورسله، وهداه وكتبه، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها، وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها ليجلو عنهم غاشية الظلام والتضليل الذي أصابهم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وهذا هو الذي يليق بكرم الله وفضله ورحمته، وعدله وإحسانه وحكمته وعلمه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
فما كان الله ليخلق البشرية، ويجمعهم في الأرض، ثم يتركهم سدى، ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولًا يبين لهم ما يتقون، وينزل عليهم كتاباً به يهتدون: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
ومنَّ الله على البشرية كافة ببعثة الأنبياء والرسل إليهم، وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام جاءوا بالتوحيد المطلق الخالص، الذي لا ظل فيه للشرك في صورة من صوره، وأمروهم بعبادة الله وحده، وأخبروا أممهم أنهم بشر لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يعلمون الغيب إلا ما طلعهم الله عليه، ولا يملكون بسط الرزق أو قبضه لأحد، وأنذروا قومهم الآخرة وما فيها من حسابٍ وجزاء، وثوابٍ وعقاب.
فهذه الأصول الذي دعا إليها كل رسولٍ من رسل الله إلى عباده: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].