والآخرة بالنسبة إلى الدنيا كالأصلِ بالنسبة إلى الفرع، وكالجسمِ بالنسبة إلى الظل، فكل ما في الدنيا فلا بد له في الآخرةِ من أصل، وكل ما في الآخرة فلا بد له في الدنيا من مثال.
ففي العالم العلوي: عالم الروحانيات، عالم الأضواء والأنوار، والبهجة والسرور.
والروحانيات: هم الملائكة، وهم مختلفون في الكمال، والنقصان، فخلق الله من بينهم واحدًا هو أشرفهم، وأكملهم، وأعظمهم، وجعل جميع ما سواه في طاعته، وتحت أمره، ونهيه، وهو جبريل ﷺ الذي قال عنه ربه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١]
وخلق الله تعالى في العالم السفلي مخلوقات عظيمة، واصطفى منهم الإنسان، واصطفى من بني آدم شخص واحد، هو سيد أشخاص هذا العالم، وأكملهم، وأعلاهم، ليكون كل ما سواه في طاعته، وتحت أمره، ونهيه وهو محمد ﷺ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فجبريل مُطاعٌ في العالم العلوي، ومحمد ﷺ مُطاعٌ في العالم السفلي، وبين المُطاعينِ ملاقاة بأمر الرب سبحانه.
فالمُطاع في عالم الأرواح هو المصدر، والمُطاع في عالم الأجسام هو المظهر، والمصدر هو الرسول الملكي الذي يتلقى الأوامر من ربه ﷿، ويوصلها إلى الرسول البشري، وبهما يتم أمر السعادة والفلاح في الدنيا