أما الذي يريد الآخرة، فلا بد أن يسعى لها سعيها، فيؤدي تكاليفها، ويُقيم سعيه لها على الإيمان، والتقوى، ثم يلقى التكريم في الآخرة، جزاء السعي الكريم في الدنيا: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩].
إن الحياة للأرض، والحياة للدنيا، حياة تليق بالديدان، والحشرات، والزواحف، والهوام، والوحوش، والأنعام، وسائر الحيوان.
أما الحياة الآخرة فهي الحياة اللائقة بالإنسان الكريم على الله، على أن هؤلاء وهؤلاء إنما ينالون من عطاء الله، وعطاء الله لا يحظره أحد، ولا يمنعه: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠].
والتفاوت بين الناس في الدنيا ملحوظ، بحسب أسبابهم، وأعمالهم، واتجاهاتهم، فكيف يكون التفاوت بين الناس في الآخرة التي الدنيا بالنسبة لها كقطرة من بحر: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢١].
فمن شاء التفاوت الحق، ومن شاء التفاضل الضخم، ومن شاء الدرجات العالية، فهو هناك في الآخرة، حيث الرقعة الفسيحة، والآماد الأبدية، والنعيم الفائق، والقصور الفاخرة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦].