وإنما الدنيا كحوض كبير مُليء ماء، وجُعل موردًا للأنام، والأنعام، فجعل الحوض ينقص من كثرة الوارد، حتى لم يبق منه إلا كدر في أسفله، قد بالت فيه الدواب، وخاضته الناس، والأنعام.
فما أسرع زوال الدنيا، ألا وإن الدنيا قد آذنَت بصَرم، وَوَلّت حَذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء.
وإذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا كما يحمي الإنسان مريضه من الطعام والشراب، ومن أهان الدنيا، كرمت عليه الآخرة، ومن أكرم الدنيا وأهلها هانت عليه الآخرة وأعمالها، وحب الدنيا أصل كل خطيئة، والنساء حبائل الشيطان، والخمر جماع كل شر.
والمال فيه داء كثير، إن سلم صاحبه من الفخر والخيلاء والطغيان، لم يسلم من أن يشغله إصلاحه عن ذكر الله ﷿، وأداء حقوقه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا، فجميع الأمم المُكذبة للرسل، والأنبياء، إنما حملهم على كفرهم، وتسبب في هلاكهم، حب الدنيا: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٣٤ - ٤١].
ورسل الله ﷿ لما دعوا الكفار إلى الإيمان، ونهوهم عن الشرك، والمعاصي التي كانوا يكسبون بها الدنيا، حملهم حبها على مخالفتهم، وتكذيبهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا