والدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان، وفيها حظ له، وهي الأرض وما عليها، فإن الأرض مسكن الآدمي، وما عليها مطعم له، ومشرب، وملبس، ومنكح، ومركب، وكل ذلك علف لراحلة بدنه السائر إلى الله ﵎، فإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقد وضع الله في الطباع تَوَقان النفس إلى ما يُصلحها، ويسعدها من مأكولٍ، ومشروبٍ، وملبوسٍ، وغير ذلك من الشهوات التي هي من حاجة النفس البشرية، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور به شرعًا يُمدح، ومن أخذ منها فوق الحاجة يكتنفه الشره وقع في الذم، فليس للشره في تناول الدنيا وجه؛ لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ويُشغل العبد عن طلب الأخرى، فيفوت المقصود: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
ولا وجه كذلك للتقصير في تناول الحاجة؛ لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هي الوسطى، وهي أن يؤخذ من الدنيا ما يحتاج إليه من الزاد للسلوك، وإن كان مشتهى، فإن إعطاء النفس ما تشتهي عون لها، وقضاء لحقها، فهذا مما يُنشطها للخير، فلا يمنعها منه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].