وإن كان حظها مجرد شهوة ليست متعلقة بمصالحها المذكورة، فذلك حظ مذموم، والزُهد فيه يكون، ومن ركن إلى الدنيا، أحرقته بنارها، فصار رمادًا تذروه الرياح.
والعاقل يرى أن نقصان بدنه، ودنياه، ولذته، وجاهه، ورئاسته، إن زاد في حصول ذلك، وتوفيره عليه في معاده، كان رحمة به، وخيرًا له، وإلا كان حرمانًا وعقوبة على ذنوب ظاهرة، أو باطنة، أو ترك واجب ظاهر، أو باطن، فحرمان خير الدنيا والآخرة، مُرتب على هذه الأربعة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وإذا أصبح العبد، وأمسى، وليس همه إلا الله وحده لا شريك له، تَحمّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرّغ قلبه لمحبته، واستعمل لسانه بذكره، واستخدم جوارحه لطاعته، وعمر أوقاته بامتثال أوامره: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وإذ أصبح العبد وأمسى، والدنيا همه، حمّله الله همومها، وغمومها، ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم، وقضاء أشغالهم، فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ [الملك: ٢٢].
والحياة الدنيا لعب ولهو حين تُعاش لذاتها، مقطوعة عن منهج الله فيها.
والذي يجعلها مزرعة للآخرة، فالإيمان، والتقوى، في الحياة الدنيا، هو الذي يُخرجها عن أن تكون لعبًا ولهوًا، ويطبعها بطابع الجد، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني الرخيص، إلى مستوى الخلافة الراشدة المتصلة