والحكمة في اشتراك المؤمن مع الكافر، في نعيم الدنيا، كراهة أن يكون الناس أمة واحدة متفقة على الكفر، فلولا ذلك لأعطى الله زخارف الدنيا كلها للكفار، ولكن لشدة ميل القلوب إلى زهرة الدنيا، وحبها لها، جعلها الله برحمته مشتركة بين المؤمنين والكافرين غنيًا وفقيرًا، ولو أُعطي ذلك النعيم للكفار وحدهم، لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفارا، والله لا يريد ذلك كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٧].
وما أعطاه الله الكفار من المال، ونعيم الدنيا، فليس ذلك لكرامتهم عليه، فإن الله جعل هذه النعم لأوليائه المؤمنين؛ ليستعينوا بها على طاعته كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وإنما أعطى الله الكفار النعم، لاستدراجهم عقوبة لهم على كفرهم: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].