فما استُغفِل صلى الله عليه وسلمفي مكيدة، ولا استُعجِز في شديدة، حكيمٌ حليمٌ يضع الأمور مواضعها، فصلوات الله وسلامه عليه.
الثاني: ثباته في الشدائد وهو مطلوبٌ من أعدائه، وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب، نفسه مع اختلاف الأحوال ساكنة، لا يجور في شديدة، ولا يستسلم لعظيمة، وهو مع الضعف يصبر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي، وقد لقي من قريش صنوف الأذى وما تشيب له النواصي، كما قال ﷺ:«لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ» أخرجه أحمد (١).
والله يصبره ويقول له: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
ينتقل ﷺ من محنةٍ إلى محنة أشد، ومن عظيمةٍ إلى عظيمةٍ أشد، وهو ثابت، لكمال إيمانه بربه، وكمال يقينه عليه، وكمال ثقته بالله، ورضاه بما قدّره، كلما ازداد بلاؤه ازداد رضاه عن ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الثالث: زهده ﷺ في الدنيا، وإعراضه عنها، وقناعته منها باليسير، فلم يمل إلى خضرتها، ولم تلهه حلاوتها، وقد ملك من أقصى الحجاز إلى أقصى العراق، ومن أقصى اليمن إلى أقصى عمان، ومع ذلك كان أزهد الناس في ما يقتني، وأعرضهم عن كل ما يلهي.