وكان يمر عليه الشهر والشهران وما يوقد في بيته نار، لم يحفر بئرًا، ولم يجرِ نهرًا، ولم يشيد قصرًا، ولم يورث أهله مالًا أو متاعًا، ليصرفهم عن الدنيا كما صرف نفسه عنها، رضي من الدنيا بالميسور النزر، وقنع منها بالعيش الكدر، فصلوات الله وسلامه عليه.
الرابع: تواضعه ﷺ، فهو أشد الناس تواضعًا للناس، وكان هينًا لينًا لطيفًا، تأخذه الجارية، وتأخذ بيده الجارية حيث شاءت، لا يمنعها، وهو سيد الخلق، يمشي في الأسواق، ويجلس على التراب، ويخفض الجناح، ويتواضع للأصحاب، ولم يتميز بطعامٍ، أو شرابٍ، أو لباسٍ، أو مركوبٍ، أو دار، ولكن تميز بالتواضع والحلم، والصبر والرحم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
الخامس: حلمه ووقاره، فلم يكن بالطائش ولا المُستَفَز، بل كان أحلم الناس مع كل الناس أعداؤه وأتباعه، ابتلي بجفوة الأعراب، واستكبار الأشرار، وكيد الكافرين، وحسد الكافرين، ومكر اليهود والمنافقين، فكان أحلم الناس على الناس، يُظلم فيصبر، ويؤذى فيحلُم، ويسلب حقه فيعفو: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
السادس: حفظه للعهد ووفاؤه بالوعد، فما نقض عهدًا، ولا أخلف وعدًا أبدًا، يرى النقض والغدر من مساوئ الأخلاق، فما كان خائنًا ولا غادرًا ولا ناكثًا، هو صلى الله عليه وسلمأكرم الناس بماله، ونفسه، ووقته، وخُلُقه، فصلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].