ثم صار المسيح إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصلبوه جهرًا، وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، وهو الإله الحق المعبود، المسجود له.
فسبحان الله، ما أعظم هذا البهتان والكذب والافتراء على الله ورسله، ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه، ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٠ - ٩٥].
فما أشنع هذا الكلام الذي نسبوا فيه الإله الحق، إلى ما يأنف أقل الناس أن يفعله بعبده، وكذبوا على الله ﷿ في كونه تاب على آدم، وغفر له خطيئته، ونسبوه إلى أقبح الظلم، حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في نار الجحيم، بسبب خطيئة أبيهم آدم، ونسبوه إلى غاية السفه، حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعدائه من نفسه، حتى قتلوه، وصلبوه، وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز، حيث عجز أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة.
ونسبوه إلى غاية النقص، حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا.
فسبحان الله، كم أضل الشيطان من الأمم عن دينها بمثل هذا البهتان والكذب، وهل يقول بهذا عاقل سوي، إنه لا يعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها، بما سبت به هذه الأمة، فهم عار على بني آدم، مفسدون للعقول والشرائع: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].