للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شوائب الخدر، ولا ينفك سرورها عن المنغصات، سلامتها تعقِب السقم، ونعيمها لا يثمر غالبًا إلا الحسرة والندم؛ فهي خداعة، مكارة، بينما أصحابها منها في نعيم وسرور، إذ ولت عنهم صاروا كأنهم أضغاث أحلام: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)[يونس: ٢٤].

فالدنيا عدوة لله، وعدوة لأولياء الله، وعدوة لأعداء الله.

أما عداوتها لله، فإنها قطعت الطريق على عباد الله، ولذلك لم ينظر الله إليها منذ خلقها، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء، ولكنها محل الابتلاء والاختبار.

وأما عداوتها لأولياء الله سبحانه، فإنها تزينت لهم بزينتها، وغرتهم بزهرتها ونضارتها، وملكت قلوبهم بجمالها وشهواتها، وبساتينها وقصورها، حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)[فاطر: ٥].

وأما عداوتها لأعداء الله، فإنها استدرجتهم بمكرها وكيدها، وصادتهم بشبكتها حتى وثقوا بها، فاجتنوا منها حسرة تقطع الأكباد، ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد، فهم على فراقها يتحسرون، ومن مكايدها يستغيثون، وفي طلبها يتعبون: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)[البقرة: ٨٦].

ومن هوان الدنيا على الله، أنه لا يعصى إلا فيها، ولا يُنال ما عنده إلا بتركها، وكما يأكل المريض الطعام فلا يلتذ به من شدة الوجع، كذلك

<<  <  ج: ص:  >  >>