والفتن إذا جاءت كان ضررها على أهل الإيمان أكثر من غيرهم كاللصوص إذا دخلوا بلدًا، فأول من يخاف منهم أصحاب الأموال، يتسلحون للدفاع عن أموالهم، أما غيرهم فلا يهتمون، لأنه ليس عندهم ما يخافون عليه، وكذلك أهل الإيمان والأعمال الصالحة، إذا جاءت الفتن تسلحوا وتحصنوا بالإيمان، والأذكار، والدعاء والعبادة، فذلك حصنهم من أعدائهم، أما من ليس عنده إيمان وأعمال فلا يبالي، لأن حياته لم تقم على الإيمان والأعمال الصالحة، فليس عندهم ما يخافوا عليه، كالفقير الذي ليس عنده مال يخاف عليه من اللصوص.
والفتنة تطلق على العذاب وسببه، ولهذا سمى الله الكفر فتنة كما قال سبحانه ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فالكفار فتنوا أولًا بأسباب الدنيا وزينتها، ثم فتنوا بإرسال رسل الله إليهم، ثم فتنوا بمخالفتهم وتكذيبهم، ثم فتنوا بعذاب الدنيا: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
ثم فتنوا بعذاب القبر، ثم يفتنون في موقف القيامة، ثم إذا حشروا إلى النار، وأوقفوا عليها، وعرضوا عليها وذلك من أعظم فتنتهم: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾ [الأحقاف: ٣٤].
ثم تحصل لهم في النهاية الفتنة الكبرى التي أنستهم جميع الفتن قبلها، وهي دخول النار، وتعذيبهم بها، وخلودهم فيها: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ [الذاريات: ١٣ - ١٤].