ومن رحمة الله أن جعل للصفقة ثمنًا، وإلا فهو واهب الأنفس والأموال، وهو مالك الأنفس والأموال، وكل ما في الكون: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وهي بيعةٌ رهيبةٌ لازمة في عنق كل مؤمن، لا تسقط عنه إلا بسقوط إيمانه، وقد جعل الله مناط الحساب والجزاء هو النقض أو الوفاء بهذه البيعة كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
وقد تحولت هذه البيعة من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع مشهود، وقد قبلها أصحاب النبي ﷺ، وتلقوها بالعمل المباشر بها، وحولوها إلى صورةٍ منظورةٍ عجيبة، لا إلى صورةٍ متأملة تحكي ولا ترى، حتى قال فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فكم بذل أصحاب الرسول ﷺ من أجلها من نفس؟ وكم أنفقوا من مال؟ وكم هجروا من أجلها من دار؟ وكم تركوا من شهوات؟ وكم تركوا من أهلٍ وأولاد؟ وكم بذلوا من أوقات؟ وكم جاعوا وأوذوا في سبيل الله؟.