للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن غيرته سبحانه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والله سبحانه يغار أشد الغيرة على عبده أن يلتفت إلى غيره، فإذا أذاق عبده حلاوة محبته، والأنس به، ثم أنغشل بغيره باعده من قربه، وقطعه من وصله، وأوحش سره، وألبسه رداء الذل والصغار والهوان، وضرب هذا القلب بسوط البعد والحجاب، وسلط عليه من يسومه سوء العذاب، ومُليء من الهموم والغموم والأحزان، وصار محلًا للجيف والأقذار، وبُدل بالأنس وحشة، وبالعز ذلة، وبالقرب بعدًا وكان هذا بعض جزائه فحينئذ تطرقه الطوارق، والمؤلمات، وتحل به وفود الأحزان والهموم، بعد وفود المسرات، ومن رحمة الله ﷿ أن من أعرض عنه تنكدت حياته، وضاقت عليه أموره، ليعود إلى ربه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)[الشعراء: ٢١٣].

ومن عرف ربه، وذاق حلاوة قربه ومحبته، ثم رجع عنه إلى مساكنة غيره، ثبط جوارحه عن طاعته، وعقل قلبه عن إرادته ومحبته، وآخره عن محل قربه، وولاه ما اختاره لنفسه.

وإذا أراد المرء أن يعرف ما حل به من بلاء الانفصال والبعد، وذل الحجاب، فلينظر من استعبد قلبه، واستخدم جوارحه، وشغل سره، وينظر أين يبيت قلبه إذا خلا في مضجعه، وأين يطير قلبه إذا استيقظ من منامه، فذلك هو معبوده وإلهه، فإذا سمع النداء يوم القيامة لينطلق كل واحد مع من كان يعبده، انطلق معه كائنًا ما كان: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)[الزمر: ١٥].

وقال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)[الرحمن: ٤٦].

<<  <  ج: ص:  >  >>