ويمسك سبحانه عن الآخر مواد التطهير، فيلقاه يوم القيامة بمادة خبيثة ومادة طيبة، وحكمة الله تأبى أن يجاوره أحد في داره الطيبة بخبائثه، فيدخله النار طهرة له وتصفيه، فإذا خلص من الخبث صلح حينئذ لجوار ربه ومساكنة الطيبين من عباده: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وإقامة هذا النوع من الناس في نار جهنم يوم القيامة على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها، وأكثر المسلمين لا بدَّ له من التطهير، فإن الجهل والغفلة والحرص، يولد كثرة المعاصي والذنوب لا محالة.
ولما كان المشرك نجس خبيث العنصر، خبيث الذات، لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثًا كما كان، كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج منه، فلذلك حَرَّم الله على المشرك الجنة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
ولما كان المؤمن الطيب مبرءًا من الخبائث كانت النار حرامًا عليه، إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها، فيحفظه ويوصله إيمانه إلى محبته وجنته كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].