للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد فرغ الله أبدان الصحابة لجهد الدعوة في مكة ثلاثة عشر عامًا، وفرغ عقولهم لفقه الدعوة إلى الله، وفرغ ألسنتهم لتلاوة قرآن الدعوة، وفرغ أوقاتهم لإبلاغ الدعوة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)[إبراهيم: ١].

وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)[الشرح: ٧ - ٨].

والله سبحانه اجتبى هذه الأمة، وأعطاها أعمال الأنبياء والرسل وهي الدعوة إلى الله، وعبادة الله وحده. وفرغها للدعوة إلى الله من أول يوم، فلا توجد في مكة بعد التوحيد والإيمان فريضة عملية تزاحم فريضة الدعوة؛ لهذا فرغ الله قلوب وعقول وأجساد الصحابة لفهم فقه الدعوة والقيام به قبل فقه الأموال والمعاملات، وقبل فقه النكاح والطلاق، وقبل فقه القصاص والحدود، وقبل فقه الوصايا والمواريث وغيرها من الأحكام فأصول الدعوة إلى الله في مكة، وبيان الأحكام جاء في المدينة؛ لأن هذه الأمة مبعوثة كالأنبياء بالدعوة والعبادة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)[آل عمران: ١١٠].

وقال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)[النحل: ١٢٥].

والعبادات فيها رخص، فالمسافر يقصر الصلاة في السفر، والمريض يصلي على حسب استطاعته قائمًا أو قاعدًا أو على جنب أو على ظهره،

<<  <  ج: ص:  >  >>