عَنْ كَسْبِهِ، فَقَالَ: أَلَا أُطْعِمُهُ أَيْتَامًا لِي؟ قَالَ لَا، قَالَ: أَفَلَا أَتَصَدَّقُ بِهِ؟ قَالَ: لَا، فَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يَعْلِفَهُ نَاضِحَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي لَفْظٍ: أَنَّهُ «اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إجَارَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهَا، وَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ فِيهَا حَتَّى قَالَ: اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ أَوْ أَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ)
ــ
[نيل الأوطار]
[بَابُ مَا جَاءَ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ]
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رِجَالُ أَحْمَدَ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَازِمِيُّ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ السُّحْتِ مَهْرُ الْبَغِيِّ وَأُجْرَةُ الْحَجَّامِ» وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَازِمِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ» وَحَدِيثُ رَافِعٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ مُحَيِّصَةُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مَالِكٌ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: أَطْعِمْهُ نَاضِحَكَ» وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: إنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ مُحَيِّصَةُ الْمَذْكُورَ أَهْلُ السُّنَنِ الثَّلَاثِ بِاخْتِصَارٍ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ أَيْضًا: وَرِجَالُ أَحْمَدَ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ
قَوْلُهُ: (الْبَغِيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ أَوْ مَفْعُولَةٍ وَهِيَ الزَّانِيَةُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور: ٣٣] أَيْ: عَلَى الزِّنَا، وَأَصْلُ الْبَغْيِ الطَّلَبُ، غَيْرَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي طَلَبِ الْفَسَادِ وَالزِّنَا، وَالْمُرَادُ مَا تَكْتَسِبُهُ الْأَمَةُ بِالْفُجُورِ لَا بِالصَّنَائِعِ الْجَائِزَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَهْرِ الْبَغِيِّ قَوْلُهُ: (وَثَمَنِ الْكَلْبِ) قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ كَسْبِ الْحَجَّامِ وَهُوَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ كَمَا فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْخَبِيثُ حَرَامٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا تَسْمِيَةُ ذَلِكَ سُحْتًا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْعِتْرَةِ وَغَيْرِهِمْ إلَى أَنَّهُ حَلَالٌ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِيَيْنِ وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ دَنَاءَةً وَاَللَّهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَلِأَنَّ الْحِجَامَةَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلْإِعَانَةِ لَهُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا
وَيُؤَيِّدُ هَذَا إذْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أُجْرَةِ الْحِجَامَةِ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا نَاضِحَهُ وَرَقِيقَهُ، وَلَوْ كَانَتْ حَرَامًا لَمَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِحَالٍ وَمِنْ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ مَنْسُوخٌ، وَجَنَحَ إلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ صِحَّةَ النَّسْخِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِتَأَخُّرِ النَّاسِخِ وَعَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ بِوَجْهٍ، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، هَذَا وَالثَّانِي مُمْكِنٌ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ بِقَرِينَةِ إذْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِي بَعْضِ الْمَنَافِعِ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.