بَابُ قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَالْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ وَهَلْ يُمَثَّلُ بِالْقَاتِلِ إذَا مَثَّلَ أَمْ لَا؟
٣٠٠٦ - عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِك هَذَا؟ فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فَجِيءَ بِهِ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُضَّ رَأْسُهُ بِحَجَرَيْنِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ
ــ
[نيل الأوطار]
عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» وَيُجَابُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: ٤٥] بِأَنَّهَا حِكَايَةٌ لِشَرِيعَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: ٤٥] بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: ١٧٨] فَإِنَّهَا خِطَابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا إنَّمَا تَلْزَمُنَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ مَا هُوَ كَذَلِكَ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي التَّعَبُّدِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأَصْلِ كَمَا ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، ثُمَّ إنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا تَشْرِيعٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَكَانَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ مُفَسِّرَةً لِمَا أُبْهِمَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ، أَوْ تَكُونُ آيَةُ الْمَائِدَةِ مُطْلَقَةً، وَآيَةُ الْبَقَرَةِ مُقَيَّدَةً، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. وَقَدْ أَيَّدَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ الْحُرِّ بِأَطْرَافِ الْعَبْدِ إجْمَاعًا، فَكَذَا النَّفْسُ، وَأَيَّدَ آخَرُ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ فَقَالَ: إنَّ الْعِتْقَ يُقَارِنُ الْمُثْلَةَ فَيَكُونُ جِنَايَةً عَلَى حُرٍّ فِي التَّحْقِيقِ حَيْثُ كَانَ الْجَانِي سَيِّدَهُ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى فَرْضِ بَقَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ زَمَنًا يُمْكِنُ فِيهِ أَنْ يَتَعَقَّبَ الْجِنَايَةَ الْعِتْقُ ثُمَّ يَتَعَقَّبَهُ الْمَوْتُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَأَخُّرِ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ فِي الذِّهْنِ وَإِنْ تَقَارَنَا فِي الْوَاقِعِ، وَعَلَى فَرْضِ أَنَّ الْعَبْدَ يُعْتَقُ بِنَفْسِ الْمُثْلَةِ لَا بِالْمُرَافَعَةِ وَهُوَ مَحَلُّ خِلَافٍ.
وَقَدْ أَجَابَ صَاحِبُ الْمِنْحَةِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فَقَالَ: إنَّهُ يَتِمُّ فِي صُورَةِ جَدْعِهِ وَخَصْيِهِ لَا فِي صُورَةِ قَتْلِهِ انْتَهَى. وَهَذَا وَهْمٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُثْلَةِ فِي كَلَامِ الْمُورِدِ لِلتَّأْيِيدِ هِيَ الْمُثْلَةُ بِالْعَبْدِ الْمُوجِبَةُ لِعِتْقِهِ بِالضَّرْبِ وَاللَّطْمِ وَنَحْوِهِمَا لَا الْمُثْلَةُ الْمَخْصُوصَةُ الَّتِي سَرَى ذِهْنُ صَاحِبِ الْمِنْحَةِ إلَيْهَا. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى الْمُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: ١٧٨] أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُقْتَلَ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَتْلَ الْعَبْدِ بِالْحُرِّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَأَوْرَدَ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُقْتَلَ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى وَلَا الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ، وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.