وَالْفَوَاحِشُ جَمْعُ فَاحِشَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْنَى الْفَاحِشَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٢٢] وَتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً [الْأَعْرَاف: ٢٨] .
وَمَا ظَهَرَ مِنْها هُوَ مَا يُظْهِرُهُ النَّاسُ بَيْنَ قُرَنَائِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ مِثْلَ الْبِغَاءِ وَالْمُخَادَنَةِ، وَمَا بَطَنَ هُوَ مَا لَا يُظْهِرُهُ النَّاسُ مِثْلَ الْوَأْدِ وَالسَّرِقَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ
تَعَالَى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٥١] . وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَحِلُّونَ هَذِهِ الْفَوَاحِشَ وَهِيَ مَفَاسِدُ قَبِيحَةٌ لَا يَشُكُّ أُولُو الْأَلْبَابِ، لَوْ سُئِلُوا، أَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى بِهَا، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْفَوَاحِشِ: الزِّنَا، وَمَا ظَهَرَ مِنْهُ وَمَا بَطَنَ حَالَانِ مِنْ أَحْوَالِ الزُّنَاةِ، وَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا الْإِثْمُ فَهُوَ كُلُّ ذَنْبٍ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْفَوَاحِشِ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢١٩] . وَقَوْلِهِ: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [١٢٠] ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الْفَوَاحِشِ قَبْلَهُ لِلِاهْتِمَامِ بِالتَّحْذِيرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّحْذِيرِ مِنْ عُمُومِ الذُّنُوبِ، فَهُوَ مَنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ قَبْلَ الْعَامِّ لِلِاهْتِمَامِ، كَذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، إِلَّا أَنَّ الِاهْتِمَامَ الْحَاصِلَ بِالتَّخْصِيصِ مَعَ التَّقْدِيمِ أَقْوَى لِأَنَّ فِيهِ اهْتِمَامًا مِنْ جِهَتَيْنِ.
وَأَمَّا الْبَغْيُ فَهُوَ الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِسَلْبِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ بِأَذَاهُمْ، وَالْكِبْرُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْبَغْيِ، فَمَا كَانَ بِوَجْهِ حَقٍّ فَلَا يُسَمَّى بَغْيًا وَلَكِنَّهُ أَذًى، قَالَ الله تَعَالَى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما [النِّسَاء: ١٦] وَقَدْ كَانَ الْبَغْيُ شَائِعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ الْقَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ، وَذُو الْبَأْسِ يُغِيرُ عَلَى أَنْعَامِ النَّاسِ وَيَقْتُلُ أَعْدَاءَهُ مِنْهُمْ، وَمِنَ الْبَغْيِ أَنْ يَضْرِبُوا مَنْ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ بِثِيَابِهِ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْحُمْسِ، وَأَنْ يُلْزِمُوهُ بِأَنْ لَا يَأْكُلَ غَيْرَ طَعَامِ الْحُمْسِ، وَلَا يَطُوفَ إِلَّا فِي ثِيَابِهِمْ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.