إِظْهَارَ هَذِهِ السَّبِيلِ عَوْجَاءَ، أَيْ يَخْتَلِقُونَ لَهَا نَقَائِصَ يُمَوِّهُونَهَا عَلَى النَّاسِ تَنْفِيرًا عَنِ الْإِسْلَامِ كَقَوْلِهِمْ: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ: ٧، ٨] ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٩٩] .
وَوَرَدَ وَصْفُهُمْ بِالْكُفْرِ بِطَرِيقِ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثَبَاتِ الْكُفْرِ فِيهِمْ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُمْ، لِأَنَّ الْكُفْرَ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا يُنَاسِبُهَا التَّكَرُّرُ، فَلِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَصْفِهِمْ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَبَغْيِ إِظْهَارِ الْعِوَجِ
فِيهَا، لِأَنَّ ذَيْنَكَ مِنَ الْأَفْعَالِ الْقَابِلَةِ لِلتَّكْرِيرِ، بِخِلَافِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الِانْفِعَالَاتِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [الشورى:
١٩] .
[٤٦، ٤٧]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : الْآيَات ٤٦ إِلَى ٤٧]
وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لَا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
تَقْدِيمُ وَبَيْنَهُما وَهُوَ خَبَرٌ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمَكَانِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهِ. وَبِهَذَا التَّقْدِيمِ صَحَّ تَصْحِيحُ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ، وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.
وَضَمِيرُ بَيْنَهُما يَعُودُ إِلَى لَفْظَيِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْوَاقِعَيْنِ فِي قَوْلِهِ وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ [الْأَعْرَاف: ٤٤] وَهُمَا اسْمَا مَكَانٍ، فَيَصْلُحُ اعْتِبَارُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.