عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مِقْدَارِ عَذَابِهِ، وَإِمَّا أَنَّ مَجْمُوعَ الْمُشْرِكِينَ سَيُصِيبُهُمْ مَا قُدِّرَ لِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الْآيَاتِ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا، فَلَا يَغُرَنَّهُمْ تَأْخِيرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُصِيبُهُمْ لَا مَحَالَةَ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِهِ، فَنَصِيبُهُمْ هُوَ صِفَةُ عَذَابِهِمْ مِنْ بَيْنِ صِفَاتِ الْعَذَابِ الَّتِي عُذِّبَتْ بِهَا الْأُمَمُ.
وَجُمْلَةُ: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ فَالْوَقْتُ الَّذِي أَفَادَهُ قَوْلُهُ: إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ هُوَ مَبْدَأُ وَصْفِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْكِتَابِ حِينَ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْإِمْهَالُ الَّذِي لَقُوهُ فِي الدُّنْيَا.
وحَتَّى ابْتِدَائِيَّةٌ لِأَنَّ الْوَاقِعَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ فَتُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ، فَالْمَعْنَى: فَ إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا إِلَخ، و (حتّى) الِابْتِدَائِيَّةُ لَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ فَالْغَايَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا هِيَ غَايَةُ مَا يُخْبِرُ بِهِ الْمُخْبِرُ، وَلَيْسَتْ غَايَةَ مَا يَبْلُغُ إِلَيْهِ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِحَتَّى، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُلْتَزَمُ إِذَا كَانَتْ حَتَّى عَاطِفَةً، وَلَا تُفِيدُ إِلَّا السَّبَبِيَّةَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَهِيَ لَا تُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ تَسَبُّبِ مَا قَبْلَهَا فِيمَا بَعْدَهَا، قَالَ الرَّضِيُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنَّمَا وَجَبَ مَعَ الرَّفْعِ السَّبَبِيَّةُ لِأَنَّ الِاتِّصَالَ اللَّفْظِيَّ لَمَّا زَالَ بِسَبَبِ الِاسْتِئْنَافِ شُرِطَ السَّبَبِيَّةُ الَّتِي هِيَ مُوجِبَةٌ لِلِاتِّصَالِ الْمَعْنَوِيِّ، جَبْرًا لِمَا فَاتَ مِنَ الِاتِّصَالِ اللَّفْظِيِّ، قَالَ عَمْرُو بْنُ شَأْسٍ:
نَذُودُ الْمُلُوكَ عَنْكُمُ وَتَذُودُنَا ... وَلَا صُلْحَ حَتَّى تَضْبَعُونَ وَنَضْبَعَا
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ فِي سُورَة الْأَنْعَام [٣١] و (حتّى) الِابْتِدَائِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَضْمُونَ الْكَلَامِ الَّذِي بَعْدَهَا أَهَمُّ بِالِاعْتِنَاءِ لِلْإِلْقَاءِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّهُ أَجْدَى فِي الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ، وَهَذَا الْكَلَامُ الْوَاقِعُ هُنَا بَعْدَ (حَتَّى) فِيهِ تَهْوِيلُ مَا يُصِيبُهُمْ عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَهُوَ أَدْخَلُ فِي تَهْدِيدِهِمْ وَتَرْوِيعِهِمْ وَمَوْعِظَتِهِمْ، مِنَ الْوَعِيدِ الْمُتَعَارَفِ، وَقَدْ هَدَّدَ الْقُرْآنُ الْمُشْرِكِينَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.