وَالنِّدَاءُ يُؤْذِنُ بِبُعْدِ الْمُخَاطَبِ فَيَظْهَرُ أَنَّ أَهْلَ الْأَعْرَافِ لَمَّا تَطَلَّعُوا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى النَّارِ عَرَفُوا رِجَالًا، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمَّا مُرَّ عَلَيْهِمْ بِأَهْلِ النَّارِ عَرَفُوا رِجَالًا كَانُوا جَبَّارِينَ فِي الدُّنْيَا.
وَالسِّيمَا هُنَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُشَخِّصَاتِ الذَّاتِيَّةَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا الْأَشْخَاصُ، وَلَيْسَتِ السِّيمَا الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا أَهْلُ النَّارِ كُلُّهُمْ كَمَا هُوَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ.
فَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، فِيهِ نِذَارَةٌ وَمَوْعِظَةٌ لِجَبَابِرَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يُحَقِّرُونَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِيهِمْ عَبِيدٌ وَفُقَرَاءُ فَإِذَا سَمِعُوا بِشَارَاتِ الْقُرْآنِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ سَكَتُوا عَمَّنْ كَانَ مِنْ أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ وَسَادَتِهِمْ. وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الضِّعَافُ وَالْعَبِيدُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، أَيْ لَوْ فَرَضُوا صِدْقَ وُجُودِ جَنَّةٍ، فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِأَهْلٍ لِسُكْنَى الْجَنَّةِ لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْجَنَّةِ، وَقَصْدُهُمْ مِنْ هَذَا تَكْذِيب النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِظْهَارِ مَا يَحْسَبُونَهُ خَطَلًا مِنْ أَقْوَالِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: ٧] فَجَعَلُوا تَمَزُّقَ الْأَجْسَادِ وَفَنَاءَهَا دَلِيلًا عَلَى إِبْطَالِ الْحَشْرِ، وَسَكَتُوا عَنْ حَشْرِ الْأَجْسَادِ الَّتِي لَمْ تُمَزَّقْ. وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ وَضَعْفِ الْإِدْرَاكِ وَالتَّخْلِيطِ بَيْنَ الْعَادِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ.
قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: «يُنَادِي أَهْلُ الْأَعْرَافِ وَهُمْ عَلَى السُّورِ يَا وَلِيدُ بْنَ الْمُغِيرَةِ يَا أَبَا جَهْلَ بْنَ هِشَامٍ يَا فُلَانُ وَيَا فُلَانُ» فَهَؤُلَاءِ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْعِزَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ.
وَمَعْنَى جَمْعُكُمْ يَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ النَّاسِ، أَيْ مَا أَغْنَتْ عَنْكُمْ كَثْرَتُكُمُ الَّتِي تَعْتَزُّونَ بِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ مِنَ الْجَمْعِ الْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ. أَيْ مَا جَمَعْتُمُوهُ مِنَ الْمَالِ وَالثَّرْوَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ [الحاقة: ٢٨] .
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.