: «وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ» . وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا: «فَقَالَ: فَعَلَ اللَّهُ فِعْلًا فِي الْعَرْشِ سَمَّاهُ اسْتِوَاءً» . قَدْ تَأَوَّلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ تَأْوِيلَاتٍ، أَحْسَنُهَا: مَا جَنَحَ إِلَيْهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِوَاءِ الِاسْتِيلَاءُ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ عَلَى، وَأَنْشَدُوا على وَجه الاستيناس لِذَلِكَ قَوْلَ الْأَخْطَلِ:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... بِغَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ
وَأَرَاهُ بَعِيدًا، لِأَنَّ الْعَرْشَ مَا هُوَ إِلَّا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْإِخْبَارِ بِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأَخْطَلُ قَدِ انْتَزَعَهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: إِنَّ مَعَانِيَهُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلَى أَوْ بِإِلَى، قَالَ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: اسْتَوَى عَلَا عَلَى
الْعَرْشِ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ارْتَفَعَ فَسَوَّى خَلْقَهُنَّ.
وَأَحْسَبُ أَنَّ اسْتِعَارَتَهُ تَخْتَلِفُ بِقَرِينَةِ الْحَرْفِ الَّذِي يُعَدَّى بِهِ فِعْلُهُ، فَإِنْ عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلَى) كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَنَظَائِرِهَا فَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنْ مَعْنَى الِاعْتِلَاءِ، مُسْتَعْمَلٌ فِي اعْتِلَاءٍ مَجَازِيٍّ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّمَكُّنِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أُرِيدَ مِنْهُ التَّمْثِيلُ، وَهُوَ تَمْثِيلُ شَأْنِ تَصَرُّفِهِ تَعَالَى بِتَدْبِيرِ الْعَوَالِمِ، وَلِذَلِكَ نَجِدُهُ بِهَذَا التَّرْكِيبِ فِي الْآيَاتِ السَّبْعِ وَاقِعًا عَقِبَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ: خَلَقَهَا ثُمَّ هُوَ يُدَبِّرُ أُمُورَهَا تَدْبِيرَ الْمَلِكِ أُمُورَ مَمْلَكَتِهِ مُسْتَوِيًا عَلَى عَرْشِهِ. وَمِمَّا يُقَرِّبُ هَذَا الْمَعْنَى
قَول النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ»
. وَلِذَلِكَ أَيْضا عقب هَذَا التَّرْكِيبَ فِي مَوَاقِعِهِ كُلِّهَا بِمَا فِيهِ مَعْنَى التَّصَرُّفِ كَقَوْلِهِ هُنَا يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِلَخْ، وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٣] : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ، وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ [٢] : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ. وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ ألم السَّجْدَةِ [٤، ٥] : مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ. وَكَمَالُ هَذَاِِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.