مِنَ اللَّهِ وَالْحِكْمَةُ مِنَ الْإِرْسَالِ وَاحِدَةٌ، فَلَا جَرَمَ أَنْ تَتَشَابَهَ دَعَوَاتُهُمْ،
وَفِي الْحَدِيثِ: «الْأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلَّاتٍ»
وَقَالَ تَعَالَى:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
وَعِيسى
[الشورى: ١٣] .
وَجُمْلَةُ: أَفَلا تَتَّقُونَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ إِنْكَارِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ عَلَى جُمْلَةِ: مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ. وَالْمُرَادُ بِالتَّقْوَى الْحَذَرُ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِشْرَاكِهِمْ غَيْرَهُ فِي الْعِبَادَةِ وَاعْتِقَادِ الْإِلَهِيَّةِ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِهِمْ إِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ. وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ إِغْلَاظًا فِي الدَّعْوَةِ وَتَهْوِيلًا لِفَظَاعَةِ الشِّرْكِ، إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ دَعْوَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ حِكَايَةُ قَوْلٍ مِنْ أَقْوَالِهِ فِي تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ أَنْ دَعَاهُمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَوَعَظَهُمْ، كَمَا قَالَ نُوحٌ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً [نوح: ٥] كَمَا اقْتَضَاهُ بَعْضُ تَوْجِيهَاتِ تَجْرِيدِ حِكَايَةِ كَلَامِهِ عَنْ فَاءِ التَّفْرِيعِ الْمَذْكُورِ آنِفًا.
وَوَصْفُ الْمَلَأِ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنَا، دُونَ مَا فِي قِصَّةِ نُوحٍ، وَصْفٌ كَاشِفٌ وَلَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ تَفَنُّنًا فِي أَسَالِيبِ الْحِكَايَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ وَصَفَ مَلَأَ قَوْمِ نُوحٍ بِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي آيَةِ سُورَةِ هُودٍ، وَالتَّوْجِيهُ الَّذِي فِي «الْكَشَّافِ» هُنَا غَفْلَةٌ عَمَّا فِي سُورَةِ هُودٍ.
وَالرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أَيْ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكَ فِي سَفَاهَةٍ.
وَالسَّفَاهَةُ سَخَافَةُ الْعَقْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ [الْبَقَرَةِ: ١٣]- وَقَوله- وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ فِي سُورَة الْبَقَرَة [١٣٠] . جَعَلُوا قَوْلَهُ: مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ كَلَامًا لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ مُخْتَلِّ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْمُحَالِ عِنْدَهُمْ.
وَأَطْلَقُوا الظَّنَّ عَلَى الْيَقِينِ فِي قَوْلِهِمْ: وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٤٦] ، وَأَرَادُوا تَكْذِيبَهُ فِي قَوْلِهِ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، وَفِيمَا يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ رَسُولًا إِلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.