فَقَدْ أَشْعَرَتْ مُجَادَلَتُهُمْ صَالِحًا فِي أَمْرِ الدِّينِ عَلَى أَنَّ التَّعَقُّلَ فِي الْمُجَادَلَةِ أَخَذَ يَدُبُّ فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ، وَأَنَّ غَلْوَاءَهُمْ فِي الْمُكَابَرَةِ أَخَذَتْ تَقْصُرُ، وَأَنَّ قَنَاةَ بِأْسِهِمْ ابْتَدَأَتْ تَلِينُ، لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ جَوَابِ قَوْمٍ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ، وَبَيْنَ جَوَابِ قَوْمِ صَالِحٍ. وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَمْهَلَهُمُ اللَّهُ وَمَادَّهُمْ لِيَنْظُرُوا وَيُفَكِّرُوا فِيمَا يَدعُوهُم إِلَيْهِ نبئهم وَلِيَزِنُوا أَمْرَهُمْ، وَجَعَلَ لَهُمُ الِانْكِفَافَ عَنْ مَسِّ النَّاقَةِ بِسُوءٍ عَلَامَةً عَلَى امْتِدَادِ الْإِمْهَالِ لِأَنَّ انْكِفَافَهُمْ ذَلِكَ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ نُفُوسَهُمْ لَمْ تُحْنِقْ عَلَى رَسُولِهِمْ، فَرَجَاؤُهُ إِيمَانَهُمْ مُسْتَمِرٌّ، وَالْإِمْهَالُ لَهُمْ أَقْطَعُ لِعُذْرِهِمْ، وَأَنْهَضُ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ أَخَّرَ اللَّهُ الْعَذَابَ عَنْهُمْ إِكْرَامًا لِنَبِيِّهِمُ الْحَرِيصِ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِنُوحٍ: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [هود: ٣٦] .
وَجُمْلَةُ: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِلَخْ، هِيَ مِنْ مَقُولِ صَالِحٍ فِي وَقْتٍ غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيهِ بِالدَّعْوَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ طُوِيَ هُنَا جَوَابُ قَوْمِهِ وَسُؤَالُهُمْ إِيَّاهُ آيَةً كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتُ سُورَةِ هُودٍ وَسُورَةِ الشُّعَرَاءِ، فَفِي سُورَةِ هُودٍ [٦١، ٦٢] : قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا الْآيَةَ. وَفِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ [١٥٣- ١٥٥] : قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ الْآيَة.
فَجُمْلَةُ: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ: اعْبُدُوا اللَّهَ، أَيِ اعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَكُمْ آيَةً عَلَى تَصْدِيقِي فِيمَا بَلَّغْتُ لَكُمْ، وَعَلَى انْفِرَادِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ.
وَقَوْلُهُ: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّ النَّاقَةَ كَانَتْ حَاضِرَةٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ لِأَنَّهَا نَفْسُ الْآيَةِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.