عُلِمَ أَنَّ التَّحْصِيلَ عَلَى بَعْضِهَا يُحَصِّلُ بَعْضَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ بِمَا يُنَاسِبُهُ، بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، كَمَا عُلِمَ مِنْ آيَاتٍ أُخْرَى خَاطَبَ اللَّهُ بِهَا مُوسَى كَقَوْلِهِ آنِفًا وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا [الْأَعْرَاف: ١٥٣] فَتَشْمَلُ هَذِهِ الرَّحْمَةُ مَنِ اتَّقَى وَآمَنَ وَآتَى الزَّكَاةَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَ بعثة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ اتِّبَاعَهُمْ إِيَّاهُ مُتَعَذَّرُ الْحُصُولِ قَبْلَ بِعْثَتِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا عَازِمِينَ عَلَى اتِّبَاعِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ أَنْ كَانُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَمَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [آل عمرَان: ٨١، ٨٢] . وَتَشْمَلُ الرَّحْمَةُ أَيْضًا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَالْمَعْنِيُّ بِهَا الْآيَاتُ الَّتِي سَتَجِيءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّ آيَاتِ مُوسَى قَدِ اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ بِهَا يَوْمَئِذٍ، وَهَذَا مُوجِبُ إِعَادَةِ اسْمِ الْمَوْصُولِ فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّلَةِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ أُخْرَى، وَهُمْ مَنْ يَكُونُ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِذَلِكَ أُبْدِلَ مِنْهُمْ قَوْلُهُ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ إِلَخْ. وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْكَائِنِينَ فِي زَمَنِ الْبِعْثَةِ وَبَعْدَهَا لِقَوْلِهِ: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ وَلِقَوْلِهِ: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ شَرِيعَةٍ فِيهَا شِدَّةٌ وَحَرَجٌ، وَالْمُرَادُ بِآيَاتِ اللَّهِ:
الْقُرْآنُ، لِأَنَّ أَلْفَاظَهُ هِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِاسْمِ الْآيَاتِ، لِأَنَّهَا جُعِلَتْ مُعْجِزَاتٍ لِلْفُصَحَاءِ عَنْ مُعَارَضَتِهَا. وَدَالَّةً عَلَى أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بِشَارَةٌ ببعثة مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مُشِيرَةٌ إِلَى مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ حَتَّى الرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْإِصْحَاحِ الثَّامَنَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ: فَإِنَّ مُوسَى بَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُمْ بِخَطِيئَةِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، وَذَكَرَ مُنَاجَاتَهُ لِلَّهِ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ، كَمَا تَضَمَّنَهُ
الْإِصْحَاحُ التَّاسِعُ مِنْ ذَلِكَ السِّفْرِ، وَذَكَرْنَاهُ آنِفًا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ أَمْرَهُمْ بِالتَّقْوَى بِقَوْلِهِ: «فَالْآنَ يَا إِسْرَائِيلُ مَا يَطْلُبُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلَّا أَنْ تَتَّقِيَ رَبَّكَ لِتَسْلُكَ فِي طُرُقِهِ وَتُحِبَّهُ» . ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ وَفِي الثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ وَصَايَا تَفْصِيلًا لِلتَّقْوَى، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ الزَّكَاةَ فَقَالَ «تَعْشِيرًا تُعَشِّرُ كُلَّ مَحْصُولِ زَرْعِكَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.