الدِّيوَانِ، وَهُمْ كَانُوا مُنْتَسِبِينَ إِلَى أَسْبَاطِ إِسْحَاقَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُقَسَّمِينَ عَشَائِرَ لَمَّا كَانُوا فِي مِصْرَ، وَلَمَّا اجْتَازُوا الْبَحْرَ، فَكَانَ التَّقْسِيمُ بَعْدَ اجْتِيَازِهِمُ الْبَحْرَ الْأَحْمَرَ، وَقَبْلَ انْفِجَارِ الْعُيُونِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِمَا: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَذِكْرُهُ هُنَا الِاسْتِسْقَاءَ عَقِبَ الِانْقِسَامِ إِلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً، وَذَلِكَ ضَرُورِيٌّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ السَّقْيُ قَبْلَ التَّقْسِيمِ لَحَصَلَ مِنَ التَّزَاحُمِ عَلَى الْمَاءِ مَا يُفْضِي إِلَى الضُّرِّ بِالْقَوْمِ، وَظَاهِرُ التَّوْرَاةِ أَنَّهُمْ لَمَّا مَرُّوا بِحُورِيبَ، وَجَاءَ شُعَيْبٌ لِلِقَاءِ مُوسَى: أَنَّ شُعَيْبًا أَشَارَ عَلَى مُوسَى أَنْ يُقِيمَ لَهُمْ رُؤَسَاءَ أُلُوفٍ، وَرُؤَسَاءَ مِئَاتٍ، وَرُؤَسَاءَ خَمَاسِينَ، وَرُؤَسَاءَ عَشَرَاتٍ، حَسَبَ الْإِصْحَاحِ ١٨ مِنَ الْخُرُوجِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأُمَّةَ كَانَتْ مُنْتَسِبَةً قَبَائِلَ مِنْ قَبْلُ، لِيَسْهُلَ وَضْعُ الرُّؤَسَاءِ عَلَى الْأَعْدَادِ، وَوَقَعَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ خُرُوجِهِمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يُحْصِيَ جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّ مُوسَى وَهَارُونَ جَمَعَا جَمِيعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَانْتَسَبُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ وَبُيُوتِ آبَائِهِمْ، كَمَا فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ سِفْرِ الْعَدَدِ، وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَسْبَاطِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٣٦] .
وَجِيءَ بِاسْمِ الْعَدَدِ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ فِي قَوْلِهِ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لِأَنَّ السِّبْطَ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْأُمَّةِ فَحُذِفَ تَمْيِيزُ الْعَدَدِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: أُمَماً عَلَيْهِ.
وأَسْباطاً حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي وَقَطَّعْناهُمُ وَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا لِأَنَّ تَمْيِيزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَنَحْوِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُفْرَدًا.
وَقَوْلُهُ: أُمَماً بدل من أَسْبَاط أَوْ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعُدِلَ عَنْ جَعْلِ أَحَدِ الْحَالَيْنِ
تَمْيِيزًا فِي الْكَلَامِ إِيجَازًا وَتَنْبِيهًا عَلَى قَصْدِ الْمِنَّةِ بِكَوْنِهِمْ أُمَمًا مِنْ آبَاءٍ إِخْوَةٍ. وَأَنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِنْ أُولَئِكَ قَدْ صَارَ أُمَّةً، قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [الْأَعْرَاف: ٨٦] مَعَ مَا يُذْكَرُ بِهِ لَفْظُ أَسْبَاطٍ مِنْ تَفْضِيلِهِمْ، لِأَنَّ الْأَسْبَاطَ أَسْبَاطُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ.
هَذَا مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ حِكْمَةِ تَقْسِيمِهِمْ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا وَلَمْ يُعْطَفْ هَذَا الْخَبَرُ بِالْفَاءِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ مِنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.